أنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مصاولة أهل مكة ودعوتهم؛ فلم يستجيبوا، فآذوه أشد الإيذاء، وحاربوه، وبلغ الأذى غايته ونهايته، وقد أوصدوا أبواب الهداية عن نفوسهم في طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حريص عليهم، وعلى نجاتهم وفوزهم، فلا القريب يستجيب، ولا البعيد يرحم، ولا صاحب الرأي يحمله رأيه ليفاوض هدا النبي الأمي.
تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذى بكل أصنافه وأنواعه: الأذى الكلامي، والأذى الفعلي، وأذى الدعاية المشوهة لدعوته ولرسالته ولعرضه ولسمعته ولرأيه وعقله صلى الله عليه وسلم.
ولكن ماذا يفعل هذا الرسول؟
وهو لا يعرف اليأس والإحباط، وهذا شأن الداعية الناجح، كلما أغلق باب يلج باباً آخر، وإذا لم يستجب له شخص؛ بحث عن آخر، وإن أعرضت عنه قبيلة توجه إلى غيرها، وإن امتنعت عليه قرية؛ انتقل إلى قرية ثانية، فلا يضعف أو يتخاذل، بل يستمر ويواصل.
ولما لم تستجب مكة لهذا النور ولم تقبل هذه الهداية وردت أمر الله ونداءه؛ انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، حيث إنها أقرب القرى من مكة .
ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيدا بلا خدم، ولا حشم، ولا قافلة، ولا مركب، ولا رفيق إلا الواحد الأحد، ليس معه إلا ثوبه وعصاه ومولاه زيد بن حارثة في أصح الروايات، ذهب يمشي على قدميه الشريفتين، وهذا والله غاية الجهاد، وغاية البذل، والتضحية والعطاء للدعوة والمبدأ والحق، ولكنه في نهاية الرحلة وآخر المطاف؛ نصره ربه وآزره وأيده، وانتشر نوره وهداه في العالمين، ومن حكمة الله عز وجل أنه لم ينزل معه جنودا من السماء، ولا جيشاً عرمرماً يحمونه، ليلقى الأذى بشخصه الكريم، وليكون قدوة لكل داعية، وإماماً لكل مجاهد، ومثالاً لكل عالم، فيصبر ويدعو، ويتحمل ويواصل، ويعطي، ويأمر المعروف وينهى عن المنكر، ثم تكون العاقبة والخاتمة لأولياء الله.
هذا أشرف وأكرم وأجل وأفضل وأرحم خلق الله، يذهب إلى أهل الطائف وهم يعبدون الأوثان كما يعبد أهل مكة الأوثان والأصنام، ذهب يعرض على الناس دعوته، ويدعو إلى الواحد الأحد، يدعو إلى لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وصل إلى المنتدى الكبير في الطائف الذي يجتمع فيه الأشراف والرؤساء والزعماء والشعراء، فقد كان لهم مجلس يجتمعون فيه ليلا، ويتحدثون ويتفكرون، ويتمازحون ويتضاحكون؛ لأنهم ليس لهم عمل، فهم مكفيون بعمل الخدم من الموالي، وصل صلى الله عليه وسلم إلى المنتدى الكبير، وقصد رؤساءها ووجهاءها، وعرض عليهم رسالته ودعوته، وقد كان له من الهيبة والعظمة والهمة ما يقابل بها الملوك، ويهزم الكتائب، ويقود الجيوش ويخوض غمار المعارك، فلا يزعزعه أمر، أو تفت عضده معضلة، بل يكون رابط الجأش، ثابت البنان، قوي الجنان، ويكون صابراً محتسباً.
وها هو صلى الله عليه وسلم يصل إلى الطائف ، وكان أول ما بدأ دعوته لهؤلاء بعد أن حياهم، قال لهم: (إن الله أرسلني إليكم أن قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا). يا لها من كلمة، والله لو وضعت السموات السبع في كفة ميزان، ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى؛ لطاشت بهن، ورجحت بهن لا إله إلا الله.
فسبحان الذي أنزل هذه الكلمة الخالدة التي هي مفتاح الجنة، ومفتاح السعادة، وهي أول ما يدخل بها المسلم الإسلام والإيمان، وهي التي يموت عليها الموحدون.
هؤلاء القوم لم يسمعوا مثل هذا الكلام من قبل، أول مرة تقرع أسماعهم هذه الكلمات وهذه الأحرف، وهم يعرفون هذا الرجل: إنه محمد بن عبد الله، فتاريخه أبيض، فهو الصادق الأمين، ومعروف لديهم أنه ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.
ولكن أتى الجواب من كبيرهم فقال: الله لم يجد أحدا غيرك يرسله؟
وقالوا: ((لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)). والله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته، فهو سبحانه يعلم القلوب، ويعلم أن هذا يصلح للرسالة، وأن هذا يصلح للدعوة، وهذا يصلح للعلم، وهذا يصلح للجهاد، وهكذا، فهو عز وجل العليم الخبير، أما العظيم عند هؤلاء القوم فهو الذي يملك الأموال، وقد أحسن من قال:
أما العظمة الحقيقية في الإسلام فهي عظمة التقوى، والسجل الحافل بالأخلاق الشريفة، والسجايا الحميدة، والمقامات الرفيعة من الإيمان والعمل الصالح، والخلق الحسن والصدق والوفاء والبذل والتضحية والعطاء، وكل ذلك وأكثر من ذلك مجتمع في محمد الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم بل بلغ في ذلك الأوج والذروة والقمة والنهاية.
وقال له الثاني: إنك متقول على الله مفتر، ما أرسلك الله.
أما الثالث: فتكلم بأبشع كلام، وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسخر منه، ثم طلبوا منه أن يغادر الطائف فلا يبقى فيها أبدا، فرحل عليه الصلاة والسلام والظاهر عند بعض أهل العلم أنه مكث خمس عشرة ليلة يذهب إلى الأسواق والمنتديات، وكلما أتى جمعاً؛ سلم عليهم ودعاهم إلى لا إله إلا الله.
يقول العدواني أحد الرواة الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته في سوق عكاظ ناصبا عصاه هكذا.
متكئاً عليها وهو يدعو إلى لا إله إلا الله، ثم تلا على الناس ((وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ))، فإذا تكلم صلى الله عليه وسلم كان لصوته جلالة، ولنظرته قوة، ولخطابته فخامة، ولوعظه أسر.
لكن أهل الطائف كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وآذوه، ولم يقف إيذاؤهم عند هذا الحد وكفي، بل تعداه إلى أن أرسلوا وراءه الموالي والصبيان ليرجموه بالحجارة، حتى سالت قدماه الشريفتان دما، فسبحان الذي رفع منزلته بهذا الجهاد الشاق، وعظم أجره بهذا النصب المضني، وجعل له النصر والعاقبة الحميدة في نهاية المطاف.
توالت عليه الحجارة من كل جانب، ولاحقته الشتائم من كل ناحية، ولم يجد ملجأ إلا بستاناً، فمال إليه ودخله، فأتى صاحب البستان وعلم خبره فرحمه، وأخذ قطف عنب وأعطاه إياه، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسمه؟
فبالرغم مما أصابه صلى الله عليه وسلم من الطرد والإبعاد والشتم والسب والرجم وكل أصناف الإيذاء، إلا أنه لا يمل من الدعوة، فهذه وظيفته ومهمته، فإذا قابل إنسانا دعاه، وإذا ذهب إلى اليهود يدعوهم، تأتيه وفود النصارى فيدعوهم، يقابل المنافقين فيدعوهم، تأتيه رسائل الملوك فتقرأ عليه، فيرد عليهم ويدعوهم للدخول في دين الله، يدعو كل الناس في كل العالم.
قال لصاحب السبتان: (ما اسمك؟
، قال: عداس. قال: من أين أنت يا عداس ؟
قال:- من نينوى . من العراق قال: نينوى هذه بلدة أخي يونس بن متى قال عداس : من أين لك هذا؟
والله إني أتيت من العراق ولا يعلم أحد باسم يونس بن متى، وإني أتيت من بلدة نينوى، ولا يوجد فيها عشرة يعرفون اسم هذه البلدة نفسها) (1) ، ذكر صلى الله عليه وسلم النبي يونس الذي ابتلاه الله عز وجل، وترك لنا كلمة خالدة، نعالج بها أنفسنا وأطفالنا ومرضانا، كلمة عظيمة مؤثرة، هي حرز بإذن الله: ((لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)).
هذه الكلمة: (لا إله إلا أنت) ورثناها من ذي النون عليه السلام، إنها أحب كلمة إلى الله، وهي كلمة التوحيد التي ترضي الله، ثم قال:
(سبحانك)؛ يعني أنزهك أن يكون في أفعالك شين أو عيب.
(إني كنت من الظالمين)، والله يحب الاعتراف بالاقتراف، فإذا اقترفت اعترف: ((وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ))،.
فإذا عثرت وأخطأت فإن الله يحب منك أن تعترف، ولذا قال ابن القيم : إذا أخطأت فقل: يا رب، أذنبت وأخطأت وأسأت، فهذا مما يحبه سبحانه، ولذا قال يونس عليه السلام: (إني كنت من الظالمين) فاعترف، فنجاه الله عز وجل من الغم.
قال عداس : (وما أدراك بهذا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أخي نبي مثلي. فبكى عداس وانكب على أقدام الرسول صلى الله عليه وسلم يقبلها) لأنه مسلم مؤمن بـيونس ، ولأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعوتهم الإسلام، وكلهم أهل رسالة، ولكن شرائعهم تختلف.
هكذا طرد صلى الله عليه وسلم من مكة ، وطرد أيضاً من الطائف ، فماذا يفعل؟
وأين يذهب؟
أقبل الليل وأرخى سدوله وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم في ظلمة وفي جوع، وأذى وشدة وظمأ وتعب ونصب ووصب وهم وغم وحزن ولكن يأتي دائما الفرج في نهاية الأزمة، ولذلك إذا أتتك أزمة طامة عامة؛ فانتظر الفرج من الواحد الأحد، لذا يقول الشاعر:
ولما بلغ صلى الله عليه وسلم القمة في المعاناة والشدة قال: التفت فوق رأسي فإذا بسحابة، وإذا بـجبريل عليه السلام يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه حكمة ورعاية من الله أن يترك رسول صلى الله عليه وسلم حتى يعاني مع الناس، ثم يلطف به وينصره ويعلي قدره، قال: فالتفت إلى جبريل فقال جبريل عليه السلام: هذا يا محمد ملك الجبال يستأذنك أن يطبق الأخشبين على أهل مكة : ((وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ)).
ولكن الرحمة المهداة يرفض هذا الأمر، عسى الله أن يخرج من أصلاب هؤلاء الكفرة من يوحد الله ويعبده ولا يشرك به شيئا، يأمل صلى الله عليه وسلم أن يكون الجيل القادم جيلاً مسلما مجاهداً واعيا، يصب دمه في معارك الإسلام ويرفع الدين، وقد قال محمد إقبال :
والحمد لله فقد جاء من نسل أبي جهل و أبي لهب وغيرهم من عبدة الأوثان والأصنام، من يحمي البيت والركن اليماني، فهذا عكرمة بن أبي جهل ، و خالد و مصعب وغيرهم حماة الدين وأبطال العقيدة قدموا أرواحهم ودماءهم لرفعة الدين ونصرة الملة.
وهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة يسيل عقبيه دماً في الطائف ، ولم يزد على قول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). فأي حلم، وأي صفح، وأي سماحة، وأي خلق جليل فوق هذا.
يطرد الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف ، فيقوم من الليل يصلي ويدعو قائلاً: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟
إلى عدو يتجهمني؟
أم إلى قريب ملكته أمري؟
إن لم يكن بك سخط علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تحل علي غضبك، أو تنزل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) (1)
في هذا الحديث مسائل:
أولا: تفويض الأمر إلى الواحد الأحد، إذا ضاقت؛ فرجها سبحانه لا غيره.
ثانياً: على العبد أن يكون ذا فأل حسن، كما كان صلى الله عليه وسلم، ولا يسمح لليأس والإحباط أن يعرف له سبيلا.
ثالثاً: أن الله عز وجل متصف بصفة الغضب، يغضب على من يشاء سبحانه؛ غضبا يليق بجلاله، وكذلك يرضى رضا يليق بجلاله، ويسخط سخطا يليق بجلاله، وفيه -أيضاً- إثبات صفة الوجه له سبحانه وجهاً يليق بجلاله وعظمته: ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)).
رابعا: أعظم ما يفزع إليه الإنسان عند الكرب والشدة هو الدعاء والابتهال والتضرع لله عز وجل، فإذا ضاقت عليك الأمور، واشتدت الأزمات؛ فافزع إلى الدعاء، وارفع أكف الضراعة، واسأل الله أن يفرج الهموم والغموم، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدعاء هو العبادة) (1)
قال الله تعالى: ((ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ))، وقال: ((وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ))، وقال: ((قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ))، فإذا أظلمت أمامك السبل بمرض، أو بهم، أو بمشكلة، أو بمصيبة، أو بدينٍ؛ فعليك بالدعاء فإن الله سوف يفرج الهم، ويزيل الكرب.
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ليخفف عنه ما يجد من عنت وتمرد طغاة الطائف، فقد كذبوه وآذوه وسبوه وطردوه، فطفق يمشي وهو مهموم حزين، حتى وصل إلى وادي نخلة ، فأرسل الله إليه الفرج، وعوضه خيراً مما فقد، فها هم الجن يأتون إليه مسلمين، اجتمعوا للوادي جلبة وهمهمة، وأقبل بعضهم على بعض يتراكبون لبدا، حتى كادوا يلتصقون بالرسول صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الإسلام والدخول في هذا الدين!
إنه النبي العظيم صلى الله عليه وسلم، الذي خاطب الملائكة، وسلم على الأنبياء جميعهم، وصلى بهم، ووصل سدرة المنتهى، و بيت المقدس ، وركب البراق، ورأى الجنة والنار رأي عين، والآن يتكلم مع الجن، ويدعوهم لهذا الدين، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ((يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ))، لقد ولوا إلى قومهم منذرين ورجعوا يدعون إلى دين الله، وهذا هو شأن الداعية ودأبه، يطلب العلم فيتعلم، ثم لا يحتكر العلم على نفسه، بل يجود به على الآخرين، أهله وإخوانه وجيرانه وزملائه.
رجع الجن داعين إلى منهج الله عز وجل وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولدوابهم، وأخبرهم أن كل عظم من طعام الإنس ذكر اسم الله عليه؛ فهو طعامهم. أما طعام دوابهم؛ فكل روثة؛ فرضوا وانطلقوا داعين، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا))، يقول له ربه: أخبر الناس يا محمد بهذا الحدث، أخبرهم أنه جاء نفر من الجن من نصيبين، فقالوا: (سمعنا قرآناً عجباً) ما سبق مثله: لا في نسقه، ولا في إعجازه، ولا في نظمه، ولا في بيانه وبلاغته، ولا في فواصله، ولا في أدلته وبراهينه.
(قرآناً عجباً) لمن كان له ذوق أدبي ويفهم الخطابة، وله سليقة عربية، وعنده فطرة حسنة، فمن كان مستقيم الفطرة، طاهر السريرة، حي الشعور، نظيف القلب؛ يستطيع أن يستوعب آياته ويفهم دلالاته.
أما والعياذ بالله من كان عبداً للشهوة، منقادا للشبهة، منتكس الفطرة؛ فلا يعي القرآن، ولا يفهمه: ((أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)).
ثم استمر الخطاب إلى أن قال: ((وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ))، أي: أخذنا خبر السماء ((فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا))، وأنا كنا قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم: ((وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا))، فكلما اقترب أحدهم؛ انطلق عليه شهاب فأحرقه وأماته، وفي هذه القصة مسائل:
الأولى: أن الداعية لا يلغي نفسه من أي حقل، فإذا صعب عليه حقل؛ فلينتقل إلى غيره.
الثانية: طمأنة الله لرسوله عليه الصلاة والسلام باستجابة الجن لدعوته فأبدله الله عوضا عن صد كفار الطائف وعنادهم استجابة الجن لدعوته وإسلامهم.
الثالثة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول للثقلين: الإنس والجن، وهذا مقام شريف ومنزلة عظيمة لم يسمع بمثل ذلك لغيره من الرسل، وأصبح كل من على وجه الأرض من إنسي أو جني، سواء كان نصرانيا أو يهودياً أو زرادشتيا أو هندوسياً أو من أي ملة أو نحلة ثم لم يؤمن برسول الله كان من أصحاب النار، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار) (1)
الرابعة: أن الإنسان الداعية يشتغل بمحيطه، فإن كان رجلا ففي الرجال، وإن كان شاباً ففي الشباب، وإن كانت امرأة ففي بنات جنسها: دعوة ووعظا وتدريساً وفتياً وتفقيهاً، هذا هو شأن الداعية دائماً، يخالط مجتمعه ويدعو في محيطه قبل أن ينتقل إلى من سواهم.
قال الحافظ ابن كثير : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ، لكي يؤووه وينصروه على قومه ويمنعوه منهم، ودعاهم إلى الله عز وجل فلم يجيبوه إلى شيء من الذي طلب، وآذوه أذى عظيما، لم ينل منه قومه أكثر مما نالوا منه.
فرجع عنهم، ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، وجعل يدعو إلى الله فأسلم الطفيل بن عمرو الدوسي ، ودعا له رسول الله أن يجعل الله له آية، فجعل الله في وجهه نورا، فقال: [يا رسول الله! أخشى أن يقولوا هذا مثلة]. فدعا له، فصار النور في سوطه، فهو المعروف بذي النور..
ودعا الطفيل قومه إلى الله فأسلم بعضهم وأقام في بلاده فلما فتح الله على رسوله خيبر ؛ قدم بهم في نحو من ثمانين بيتاً (1) .
أراد رسول الله أن يطوف بالبيت بعد عناء هذه الرحلة المضنية الشاقة، ولكن من يسمح له بالطواف بالبيت، وخاصة أن كفار قريش آذوه ومنعوه وطردوه، فأتى رسول الله إلى المطعم بن عدي وهو من وجهاء وزعماء قريش، وطلب منه أن يجيره ويدخل في حمايته.
قال ابن الجوزي : من هوان الدنيا أن يدخل صلى الله عليه وسلم في جوار مشرك، حكمة من الله ألا ينزل صاعقة على الكفار أو يرسل جنودا لم يروها، أو شيئاً يسخره سبحانه لتدمير الكفرة، ولكن لحكمة يعلمها الله أن جعل طريق الدعوة محفوفا بهذه المخاطر.
أخذت المطعم الحمية والنخوة العربية، فخرج بأبنائه وسلوا السيوف، وقالوا: يا معشر قريش لا يتعرض أحد منكم لمحمد حتى يطوف بالبيت ويأوي إلى أهله. هذه إجارة جاهية عربية من هذا الصنديد، ولذلك حفظها صلى الله عليه وسلم له. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (1) . مع أن مطعم بن عدي كان كافراً إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظ له هذا الجميل، فقال: (والذي نفسي بيده لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النتنى -أي أسارى بدر الكفار- لتركتهم له ____________