أردت الإنتفاع بالقرآن الكريم إذا
فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه , والق سمعك , واحضر حضور
من يخاطبه به منتكلم به سبحانه منه إليهفإنه خطاب منه لك على
لسان رسول الله صلى الله عليهوسلم , قال تعالى) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد(
وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مقتضي , ومحل
قابل وشرط لحصولالأثر , وانتفاء المانعالذي يمنع منه ,
تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينهوأدلة على المراد .
قال ابن قتيبة : " استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم ليسبغافل ولا ساه "
فإذا حصل المؤثر : وهو القرآن , والمحل القابل , وهو القلب
الحيّ , ووجد الشرطوهو الإصغاء , وانتفى المانع , وهو اشتغال
القلب . وذهوله عن معنى الخطابوانصرافه عنه إلى شيء آخر.
حصل الأثـــــر وهو الانتفاع والتذكر .
ومن تأملات كلام الله وخطابه نجد ملكاً له الملك كله , وله الحمد
كله , أزمة الأموركلها بيده , ومصدرها منهومردها إليه , مستوياً
على سرير ملكه لا تخفى عليهخافية في أقطار مملكته . عالماً بما
في نفوس عبيده , مطلعاً على أسرارهم وعلانيتهم .
فتأمل كيف تجده يثني على نفسه , ويحمد نفسه , فيمجد نفسه ,
وينصح عباده , ويدلهم على ما فيه سعادتهم ويحذرهم مما منه هلاكهم .
ويشهد من خطابه عتابه لأحبابه , ألطف عتاب . وأنه مع ذلك مقيل
عثراتهم , وغافرزلاتهم , ومقيّم أعذارهم , ومصلح فسادهم ,
والناصر لهم , والكفيل بمصالحهم , والمجتبى لهم من كل كرب ,
فإذا شهدت القلوب من القرآن ملكاً عظيماً , رحيماً , جواداً ,
جميلاً , هذا شأنه , فكيف لا تحبه , وتنافس في القرب منه , وتنفق
أنفاسهافيالتودد إليه , ويكون أحب إليها من كل ما سواه , ورضاه
آثر عندها من رضاكل من سواه .
وكيف لا تلهج بذكره , ويصير حبه , والشوق إليه , والأنس به ,
هو غذاؤها وقوتهاودواؤها , بحيث إن فقدت ذلك , فسدت وهلكت ولم تنتفع بحياتها ...
من روائع ابن القيم >> كتاب الفوائد
فى امان الله